08 مارس 2020 الساعة 05:19 ص

هل يمكننا حقاً معرفة ما تفكر فيه الحيوانات ؟    

...
06 سبتمبر 2019
الشهر الماضي قبل عيد ميلادها الستين بقليل ، توفيت سارة ، المعروفة بأنها أذكى شمبانزي في العالم. و التي قضت معظم حياتها كموضوع بحثي ، حيث وفرت للعلماء نافذةً على معرفة أفكار و آلية تفكير أقرب المخلوقات بيولوجياً للإنسان المتعارف عليه علمياً باسم "هومو سيبيان " . توفر وفاة سارة فرصةً للتفكير في سؤال أساسي ، و هو "هل يمكننا حقاً معرفة كيف تفكر الحيوانات الأخرى ؟" , حيث يقول الكاتب : " بالاعتماد على خلفيتي كفيلسوف ، أزعم أن الجواب هو لا . فهناك قيود مبدئية لقدرتنا على فهم آلية التفكير الحيواني" .

• التفكير الحيواني :

ليس هناك شك في أن الحيوانات تفكر . فسلوكهم معقد للغاية بحيث لا يمكن افتراضه أو تخمينه من قبل البشر. و لكن من الصعب أن نقول أو نعرف بدقة ماهية تفكير الحيوانات . لأنه على ما يبدو أن لغتنا البشرية تبدو غير مناسبة للتعبير عن أفكارهم . حيث مثلت ساراً مفتاحاً لهذا اللغز الذي لطالما أرق العديد من العلماء و الباحثين حول العالم. ففي إحدى الدراسات الشهيرة التي شارك فيها سارة، اختارت العنصر الموثوق به بشكل صحيح لإكمال سلسلة من الإجراءات . فعندما كان شخص يكافح للوصول إلى بعض الموز ، اختارت العصا بدلاً من مفتاح . و عندما كان شخص عالق في قفص ، اختارت المفتاح بدلاً العصا . حيث توصل استنتاج الباحثين في تلك الدراسة إلى أن سارة لديها " نظرية ذهنية " تتكامل مع نية المفاهيم و الإيمان و المعرفة . لكن باحثون آخرون اعترضوا عليها على الفور. فقد شككوا في أن مفاهيمنا الإنسانية تجسد بدقة وجهة نظر سارة . و على الرغم من أن المئات من الدراسات الإضافية قد أجريت في العقود السابقة ، إلا أنه لا يزال هناك خلاف يسود حول كيفية وصف مفاهيم الشمبانزي العقلية بشكل صحيح . فلا تنبع صعوبة وصف أفكار الحيوانات من عدم قدرتهم على استخدام اللغة ، فبعد أن تم تعليم سارة لغةً بدائية ، تحول لغز ما كانت تفكر به ببساطة إلى لغز ما تعنيه بكلماتها التي أصبحت تشكلها بعد فترة من تعلمها للغة البدائية .

• الكلمات والمعاني :

كما اتضح ، كانت مشكلة إسناد معاني الكلمات هي السؤال الموجه للفلسفة في القرن العشرين . فمن بين أمور أخرى ، شغلت هذه المسألة الفيلسوف البريطاني "كوين دبليو في " و الذي كان الفيلسوف الأكثر نفوذاً في النصف الثاني من ذلك القرن . حيث اشتهر كوين ، و هو أستاذ بجامعة هارفارد ، بتخيل ما يتطلبه الأمر لترجمة لغة أجنبية ، و هو مشروع أطلق عليه الترجمة الجذرية . و في النهاية ، خلص كوين إلى أنه سيكون هناك دائماً عدة ترجمات جيدة على قدم المساواة لجملة ما . و نتيجةً لذلك ، لا نستطيع أن نترجم الكلمات أو نصفها بلغة دقيقة جداً و قد تحتوي ترجمة كلمة على أكثر من طريقة أو معنى . لكن كوين أشار أيضاً إلى أن الترجمة الجذرية كانت مقيدة ببنية اللغة . تخيل كين أن اللغة الحيوانية لا علاقة لها تماماً بأي لغة بشرية ، و لكن هنا ، سأستخدم اللغة الألمانية للتوضيح . لنفترض أن أحد المتحدثين بلغة أجنبية ينطق الجملة: "Schnee ist weiss" ، فهذا لا يخبرك كثيراً بما تعنيه الجملة لسوء الحظ . فهناك الكثير من الحقائق التي يمكن أن تشير إليها هذه الجملة و التي تعتمد على ناطقها و آلية ترجمتها و ارتباطها بثقافة المجتمع الألماني كذلك و استخداماتها . يشير هذا إلى درس عام : " بقدر ما يمكننا ترجمة جمل إحدى اللغات إلى جمل لغة أخرى ، يعتمد إلى حد كبير من قدرتنا على ترجمة كلمات لغة ما إلى كلمات بلغة أخرى ". لكن الآن لنتخيل لغة ذات بنية تختلف عن أي لغة بشرية . كيف سنترجمها ؟ فإذا كانت ترجمة الجمل تتطلب ترجمة الكلمات ، و لكن "كلماتها" لا تتناسب مع كلماتنا ، فلن نتمكن من ترجمة جملها إلى كلماتنا . و لن نعرف معنى الجملة حتى إن تمكنا من تجميع الكلمات , و هذا ينطبق على اللغة الحيوانية المعقدة .

• قواعد غير معروفة :

تشبه أفكار الحيوانات جمل أي لغة غير مألوفة . و هي تتألف من بضعة أجزاء مركبة بطريقة تختلف تماماً عن الطريقة التي تتألف بها لغتنا من الكلمات المترابطة و التي تعطي معنى حين تجتمع سوية . نتيجةً لذلك ، لا توجد عناصر في أفكار الحيوانات تتطابق مع كلماتنا و بالتالي لا توجد طريقة دقيقة لترجمة أفكارهم إلى جملنا .

• المقارنة يمكن أن تجعل هذه الحجة أكثر واقعية:

ما هي الترجمة الصحيحة للموناليزا ؟ إذا كان ردكم هو أن هذا سؤال غير منطقي ، لأن لوحة الموناليزا هي لوحة ، و لا يمكن ترجمة اللوحات إلى جمل ، حسناً . هذا هو بالضبط ما أقصده . حيث تتألف اللوحات من ألوان مرسومة على قماش ، و ليست من كلمات . لذا إذا كان كوين محقاً في أن أي ترجمة لائقة تتطلب مطابقة الكلمات مع الكلمات الأجنبية، فلا نتوقع أن يستطيع أحد ترجمة اللوحات إلى جمل . لكن هل تقاوم الموناليزا الترجمة حقاً ؟ قد نحاول صنع وصفٍ مرنٍ للوحة فنقول : " اللوحة تصور امرأة مبتسمة بشكل خبيث ، و اسمها ليزا ديل جيوكوندو " ، لكن المشكلة هي أن هناك العديد من الطرق للتلاعب بالوصف بذكاء ، و ذلك لوجود نسخة واحدة من الموناليزا فحسب , و على الرغم من ذلك نحتاج لمزيد من التفاصيل لشرح أو اعطاء وصف أفضل و اكثر دقة عن ابتسامة الموناليزا وحدها . لذلك ، قد نحاول تقسيم اللوحة إلى آلاف من البيكسلات الملونة و إنشاء وصف دقيق مثل "أحمر في الموقع 1 ؛ الأزرق في الموقع 2 .. إلخ "، و لكن هذا النهج يخلط بين نظريات النقل اللغوي " الاقتراض اللغوي " و الترجمة . على سبيل المقارنة ، يمكنني تقديم تعليمات لفتح المحتوى على الصفحة الأولى من صحيفة ""New York Times اليوم من خلال البحث عنها في متصفح البحث، و كل ما عي فعله هو : "أولاً ، اضغط على المفتاح T ، ثم المفتاح H ، ثم المفتاح E ، .الخ ". و لكن هذه التعليمات قد تعطيني نتائجاً مختلفةً تماماً عن محتوى الصفحة التي أريدها . فهي ستعتمد على الأزرار التي يجب الضغط عليها ، فأنا أريد أن اتصفح الصفحة الأولى من الجريدة فحسب ، و ليس موضوعاً حول عدم المساواة في الدخل ، أو أحدث التغريدات لترامب أو كيفية تأمين قبول طفلك في مرحلة ما قبل المدرسة في أحد رياض الأطفال النخبة في مانهاتن . و بالمثل ، تصور الموناليزا امرأةً مبتسمة ، وليس مجموعة من البيكسلات الملونة . لذا فإن الوصف المصغر لا يقدم ترجمة عقلانية و جيدة لأي شيء .

• طبيعة التفكير

اقتراحي إذن ، هو أن محاولة وصف التفكير الحيواني مثل محاولة وصف الموناليزا . فالتقديرات ممكنة ، لكن الدقة ليست كذلك . تشبيه الموناليزا لا ينبغي أن يؤخذ حرفياً أيضاً. فليست الفكرة أن تفكير الحيوانات يشبه الصور، و لكنها ببساطة لا تفكر في جمل تشبه لغة الإنسان . و بعد كل ذلك ، حتى تلك الحيوانات ، مثل سارة ، التي تمكنت من تعلم اللغات البدائية بشكل مذهل، لم تفهم أبداً الصيغة المثالية و الغنية التي يتقنها البشر البالغون من العمر ثلاث سنوات دون عناء . و على الرغم من وجود أدلة دامغة على أن سارة وغيرها من الحيوانات تفكر بطريقتها الخاصة، فإننا في موقف حرج يتمثل في عدم القدرة على قول أو وصف أو حتى تحديد ما يفكرون به بدقة . و ذلك يرجع لأنه يتم تنظيم أفكارهم بشكل مختلف جداً عن لغتنا البشرية .